نموذج المجـتمع الريادي

تعالت الأصوات في السنوات الأخيرة مطالبة بالتحول نحو المجتمعات الريادية وتشجيع الشباب لانتهاج الريادية في مراحل مبكرة من حياتهم المهنية والعملية، وقد جاءت هذه المبادرات كنتيجة للازمات الاقتصادية وصعوبة الحصول على فرص عمل مناسبة في الدول النامية والمتطورة على حد سواء.

نموذج المجتمع الريادي هو نموذج للمجتمع الذي يعزز ويكافئ قدرة أفراده وخاصة الشباب منهم على التكيف مع التحديات والصعوبات التي تواجههم لتطوير أفكار خلاقة تكفل خلق فرص عمل ووضع هذه الأفكار الخلاقة موضع التنفيذ على ارض الواقع.

ولعلنا نتساءل دوما : هل الوصول إلى مجتمع ريادي هو مسؤولية الحكومة وحدها أم انه جهد مشترك بين الأفراد – خاصة أصحاب العمل- والحكومة معا؟ برأيي الشخصي إن الوصول إلى حالة المجتمع الريادي في الأردن لا يمكن أن تتحقق  إلا بتظافر الجهود بين الحكومة والأفراد ، وإن كانت البداية من عند الحكومة كونها الجهة المشرفة والمسئولة على تنظيم الحوكمة والمؤسسية في أي بلد.

ولن ألقي الكرة في ملعب الحكومة واحملها المسؤولية كاملة دون تقديم اقتراحات لها، لان العقلانية تقتضي تعاوننا مع الحكومة خاصة في ظل الأزمات الاقتصادية التي نعاني منها وأهمها أزمة توفير فرص عمل مناسبة للشباب ، واقصد بالمناسبة تلك التي توفر لهم العيش الكريم وتقيهم عواقب البطالة والفقر والعنف والتطرف والسلبية والمشاكل الاجتماعية والإدمان وغيرها ، فالحكومات الريادية تدرك انه لا يمكن تحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة وما يصاحبها من تنمية بشرية دون تحقيق الرخاء الاجتماعي والاستقرار والمتضمنان حياة نوعية لائقة ومتكافئة بين الأفراد.

إن التأسيس لمجتمع أردني ريادي تبدأ باستثمار طاقات الشباب بدءاً بالمرحلة الثانوية وتستمر حتى  بدايات الخبرة في سوق العمل و/أو مرحلة التعليم العالي، وذلك من خلال التخطيط الاستراتيجي الواعي لتنمية الشباب بإصلاح التعليم والحرص على نوعيته بما ينسجم مع التغييرات التكنولوجية والعلمية ،، ونحن ولله الحمد في الأردن حـبانا الله تربة خصبة مكونها الأساسي الإنسان الأردني والإنسانة الأردنية الذين يمتلكون روحا ايجابية واستعدادا للتعلم والتطور والإبداع إذا هم أعطوا الفرص المناسبة ، ووجدوا نماذج قيادية تحتضنهم وتدفع بهم للتميز وتحاول تحويل تقاعس ويأس البعض منهم إلى قصص نجاح ، فالشعور بالاحتضان والمساواة والعدالة له أثر سحري على روح هؤلاء الشباب.

يبدأ التحول إلى مجتمع ريادي بالتحول إلى تعليم نحو الريادة ، والذي يتضمن فيما يتضمن بيئات تعليمية غنية وأجواء تربوية صحية ومناهج جيدة تجذب الشباب وتدفعهم للإبداع والتفكير بطريقة تخلو من التعقيد بل على العكس تجعلهم يحاولون حل المشكلات التي تواجههم ، فلابد أن تصل المناهج المدرسية والجامعية بالشباب إلى ريادة الأعمال والمشاريع المنتجة والتي تنسجم مع الحاجات الاقتصادية في الأردن والإقليم. وتجدر الإشارة هنا إلى أن الريادة بمعناها الواسع تشمل التميز في جوانب حياة الشباب المختلفة ومن ضمنها النجاح في تأسيس الشركات وتحقيق الأرباح والإضافة النوعية في مجال العلوم والتكنولوجيا، فنحن مسؤولون عن تعليم الشباب أهمية وكيفية الوصول إلى الريادة والتوظيف الذاتي بالإضافة إلى تعليمهم العلوم والرياضيات واللغات والعلوم الاجتماعية واختبارهم بطريقة تقليدية تكاد تكون مملة لهم لأنها ستنتهي بترتيبهم وفق أداءهم وتحديد مستقبلهم بدخول الجامعة (ثم البحث عن عمل) أو الخروج لسوق العمل مباشرة.

ولعل من المفيد في هذا السياق الإشارة إلى ضرورة تسكين الشباب في المناطق الريفية والبادية وتقليل هجرتهم للمدن الكبرى بحثا عن فرص العمل ، وذلك بدعم “الاقتصاد الريفي وتنمية البادية” وخلق فرص للاستثمار في تلك المناطق فكلها غنية بالمصادر والثروات الطبيعية ولكنها تحتاج للوصول بها إلى حالة من الاتزان بين رأس المال البشري والمالي، ودور الحكومة هنا يتمثل في خلق البيئة الحقيقة للتنمية والاستثمار واستدامتها من خلال التشريعات والقوانين الواضحة والداعمة للمستثمر والجاذبة له حتى يشعر ذلك أو صاحب العمل بالراحة والاستقرار وينطلق نحو دعم وتأهيل الشباب في تلك المناطق . وعلى سبيل المثال لا الحصر، اذكر مشاريع مركز بحوث وتطوير البادية الأردنية والتي يمكن الإفادة من تجاربها لتنمية الريف والبادية وإيقاف التصحر والحفاظ على التنوع الحيوي النباتي والحيواني وغيرها من المشاريع وفقاً لطبيعة وخصوصية كل منطقة من حيث الموارد الطبيعية والبشرية.

إن أخطر مظاهر الفشل في الوصول إلى مجتمع ريادي تتمثل في هجرة العقول والكفاءات إلى مجتمعات أكثر استقرارا وقدرة على توفير حاجات الإنسان الرئيسة ، مما يؤدي إلى حدوث تشوه ديمغرافي واجتماعي وعلمي في المجتمع، بالإضافة إلى الهـدر في الثروات البشرية التي يتم تكوينها وتنميتها في الوطن ثم  تهاجر بسبب صعوبة الحياة والظروف مما يؤثر على التكامل في الخبرات والقدرات الوطنية. 

وفي المقابل ، فإن مهارات الريادة والتواصل والتفكير البناء هي مفتاح نجاح القوى العاملة الحديثة وعوامل تمكين وقوة لها لاجتذاب العروض الأفضل وأصحاب العمل الذين يقدرون هذه المهارات والميزات ، لذا فمن المجدي أن يدرك ويـُذَوِّت الشباب هذه الأفكار أثناء المرحلة الثانوية بدلا من أن نتركهم يكتشفونها بعد سنوات طويلة والمرور بتجارب عديدة ، بمعنى أن تحاول الدولة من خلال مراكز التعليم والتدريب والتكنولوجيا ومراكز الشباب التركيز على دور الريادة والمشاريع والأعمال في إثراء معالم مستقبل الشباب أنفسهم ومستقبل البلد في النواحي الاقتصادية والاجتماعية والترفيهية والثقافية وغيرها.

لا يمكن أن يصبح مجتمعنا رياديا دون وجود الإرادة القوية والحقيقية الفردية منها والمجتمعية وبدعم من الإرادة الحكومية ، ولا يمكن أن نصل إلى حل نموذجي لمشاكلنا الاقتصادية وما يترتب عليها من مشاكل اجتماعية إلا برسم ملامح المستقبل الذي نريده من خلال الشباب الذي نربي ، حتى وان فاقت الهبات والمنح والعطايا كنز سليمان.

Advertisements
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s